
راسلني على الخاص الباحث والمحلل السياسي الألماني مارك ساكسر (Marc Saxer)، أحد معدي خريطة التحالفات الجيوسياسية في الشرق الأوسط التي عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرا، وذلك تعقيبا على منشور سابق لي تناولت فيه الخريطة. وكان ساكسر قد أعد الخريطة بالتعاون مع الباحث ماركوس شنايدر (Marcus Schneider)، ونشرتها مؤسسة «فريدريش إيبرت» الألمانية (Friedrich-Ebert-Stiftung) في 19 مايو 2026.
ومارك ساكسر هو مدير مكتب التعاون الإقليمي لمؤسسة «فريدريش إيبرت» في آسيا، وباحث ومحلل سياسي وكاتب متخصص في الجغرافيا السياسية والتحولات في النظام الدولي. وسبق له أن ترأس قسم آسيا والمحيط الهادئ بالمؤسسة، وتولى إدارة مكتبيها في الهند وتايلاند، وله مؤلفات وأبحاث تتناول التحولات السياسية والاجتماعية ومستقبل النظام العالمي.
وكان نتنياهو قد عرض الخريطة يوم الأحد 18 أكتوبر 2026، خلال لقاء مع مجموعة من الصحفيين الإسرائيليين في مكتبه بالقدس، خصصه لعرض تصوره الجديد لعقيدة الأمن القومي الإسرائيلي. وكانت تلك أول إحاطة أمنية مباشرة يعقدها مع الصحفيين منذ 7 أكتوبر 2023، وجاءت قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026.
وفي رسالته في الخاص، قدم ساكسر توضيحات مفصلة حول الغاية من الخريطة، وطبيعة التحالفات التي تصورها، وما رآه من تفسيرات صحيحة وأخرى خاطئة صاحبت تداولها، خاصة بعد عرض نتنياهو لها.
وتتلخص أبرز النقاط التي تناولها ساكسر في أن الخريطة تهدف إلى إظهار شبكة التحالفات والشراكات الجيوسياسية المتغيرة في المنطقة، بما في ذلك العلاقات بين الدول والسلطات القائمة بحكم الأمر الواقع والجماعات المسلحة من غير الدول. وأوضح أن المصالح الاستراتيجية وموازين القوى والسعي إلى النفوذ والموارد هي المحرك الأساسي لتشكيل هذه التحالفات، وأن الانتماءات الدينية، وإن استخدمت أحيانا لتبرير السياسات وحشد التأييد لها، لا تقدم تفسيرا كافيا لطبيعتها. واستشهد في ذلك بالتعاون الوثيق بين إسرائيل والإمارات، وكذلك بالدعم الإيراني لحركة حماس رغم الاختلاف المذهبي بين الطرفين.
وأشار ساكسر إلى أن استخدام نتنياهو للخريطة سلط الضوء على علاقات جيوسياسية كانت تناقش في الغالب داخل أوساط الخبراء، وفي مقدمتها دعم بعض القوى الإقليمية للمليشيات المنخرطة في الحروب الأهلية. وتوقف عند وضع مليشيا الدعم السريع السودانية ضمن المعسكر الإسرائيلي الإماراتي، موضحا أن هذا التصنيف أثار اهتماما واسعا، وأن الدعم المقدم للمليشيا عبر شبكات تعمل انطلاقا من الإمارات أصبح موثقا على المستوى الدولي. كما أشار إلى تحقيق للأمم المتحدة صدر في يوليو 2026، خلص إلى أن الجرائم التي ارتكبتها المليشيا في الفاشر تستوفي التعريف القانوني للإبادة الجماعية.
وشدد ساكسر كذلك على أهمية التمييز بين السيطرة الفعلية والسيادة القانونية، موضحا أن الخريطة تصور مناطق النفوذ والسيطرة على الأرض في البلدان التي تشهد حروبا أهلية، والتوجهات الجيوسياسية للقوى المسيطرة عليها، دون أن تتضمن أي ادعاءات بشأن السيادة على تلك الأراضي وفقا للقانون الدولي. وتناول أيضا موقع الهند في الخريطة، موضحا أن تصنيفها باعتبارها دولة صديقة للتكتلات الثلاثة يعكس سياستها القائمة على تعدد الاصطفافات، وأن وصفها بأنها صديقة للمعسكر السني يشير أساسا إلى علاقاتها بالسعودية ومصر، ولا يعني بأي حال علاقاتها مع باكستان.
وأشكر السيد مارك ساكسر على مبادرته بالتواصل، وعلى الوقت الذي خصصه لتقديم هذه التوضيحات المهمة، والتي أرى أنها تستحق الاطلاع، خاصة في ظل النقاش الواسع الذي أثارته الخريطة وما انطوت عليه من دلالات تتعلق بالسودان والمنطقة.
وفيما يلي ترجمة كاملة لرسالته:
ــــــــــــــــــــــــــــــ
إن الغاية من الخريطة قد فهمت على نطاق واسع وبصورة صحيحة، وهي تصوير علاقات التعاون بين الدول والسلطات القائمة بحكم الأمر الواقع والجهات الفاعلة من غير الدول في المنطقة، وهي علاقات لا تزال في كثير من الأحيان متغيرة وغير مستقرة، بما يتيح رؤية أوضح لرقعة الشطرنج الجيوسياسية التي تشهد تحولات متسارعة. ويشير كثيرون، وهم محقون في ذلك، إلى أن فهم هذه الشبكة المعقدة من التحالفات العسكرية القديمة والجديدة، والائتلافات السياسية والشراكات التكتيكية، والقدرة على التعامل معها، أمر ضروري لتجنب الوقوع في مرمى نيران الصراعات المتشابكة.
أما التفسير غير الصحيح، فهو الاعتقاد بأن هذه التكتلات الجديدة تتشكل على أسس دينية. صحيح أن الإعلان السعودي التركي الباكستاني المشترك بشأن «ميثاق مكة» يستند صراحة إلى التضامن الإسلامي باعتباره أساسا للتعاون، لكن التعاون الوثيق بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة وحده ينبغي أن يوضح أن الدين ليس المحرك الأساسي لهذه التحولات وإعادة تشكيل التحالفات. كما أن دعم إيران الشيعية لحركة حماس السنية لا ينسجم مع تفسير هذه التحالفات على أسس طائفية. فقد تستخدم الانتماءات الدينية لإضفاء الشرعية على السياسات وحشد التأييد لها، لكن المنطق الذي يحكم تشكيل التحالفات يقوم على المصالح الجيوسياسية. فالمسألة تتعلق بالقوة والموارد وتحقيق المكاسب الاستراتيجية.
وصحيح أيضا أن نتنياهو، باستخدامه هذه الخريطة، يسلط الضوء بصورة غير مباشرة على روابط جيوسياسية كانت مناقشتها حتى الآن تقتصر في الغالب على أوساط الخبراء. وتشمل هذه الروابط، على وجه الخصوص، دعم القوى الإقليمية للمليشيات المنخرطة في الحروب الأهلية. وقد أثار وضع مليشيا الدعم السريع السودانية ضمن المعسكر الإسرائيلي الإماراتي اهتماما خاصا. فالدعم المقدم إلى مليشيا الدعم السريع عبر شبكات تعمل انطلاقا من الإمارات أصبح موثقا على نطاق دولي واسع. وقد خلص تحقيق للأمم المتحدة في يوليو 2026 إلى أن الجرائم التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع في الفاشر تستوفي التعريف القانوني للإبادة الجماعية.
أما التفسير الخاطئ الآخر، فهو الاعتقاد بأن الخريطة تتضمن أي ادعاءات تتعلق بالسيادة على الأراضي التي تظهر فيها وفقا للقانون الدولي. فالخريطة تصور مناطق السيطرة الفعلية في الأراضي المتأثرة بالحروب الأهلية في ليبيا والسودان واليمن والعراق والصومال، وتوضح التوجهات الجيوسياسية للقوى التي تمارس السلطة في كل منها.
وفي الهند، قوبل تصوير الخريطة للبلاد باعتبارها تحتفظ بعلاقات ودية مع التكتلات الثلاثة بارتياح، إذ بدا وكأنه يؤكد صحة استراتيجية الهند القائمة على «تعدد الاصطفافات» (Multi-alignment). ومع ذلك، فإن حدود هذه الاستراتيجية وتكاليفها كانت منذ وقت طويل موضع نقاش في نيودلهي. أما تصنيف الهند باعتبارها «صديقة للمعين السني» (Sunni Diamond)، فكثيرا ما يساء فهمه. فهذا التصنيف يشير أساسا إلى علاقاتها الوثيقة مع السعودية ومصر، ولا يشير بالتأكيد إلى علاقاتها مع منافستها الإقليمية باكستان.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى رد مارك ساكسر.
الخريطة الأصلية التي أعدها مارك ساكسر وماركوس شنايدر، ونشرتها مؤسسة «فريدريش إيبرت» الألمانية بتاريخ 19 مايو 2026:
asia.fes.de/news/geopoliti…


